منير شفيق: الثورات العربية “على رمال متحركة” ولا أحد يمكنه التنبؤ بمصيرها

رؤية معمقة يطرحها المفكر العربي البارز للأوضاع الاقليمية

المشرف
المشرف
منير شفيق: الثورات العربية "على رمال متحركة" ولا أحد يمكنه التنبؤ بمصيرها
منير شفيق: الثورات العربية "على رمال متحركة" ولا أحد يمكنه التنبؤ بمصيرها

“بالرغم من التدخلات الخارجية المتعددة في محاولة لتوجيه مسارات الثورات العربية، إلا أنه لا أحد بإمكانه اليوم التنبؤ بمصير هذه الثورات ومآلاتها’ و’الجميع واقف على رمال متحركة’ ، مثلما لم يكن بإمكان الغرب أن يفعل شيئا لـ’إنقاذ الرؤساء العرب الذين أسقطتهم هذه الثورات’، مثل زين العابدين بن علي في تونس وحسني مبارك في مصر..رؤية معمقة طرحها المفكر الفلسطيني البارز منير شفيق، خلال زيارته مكتب وكالة الأناضول بتونس حيث عقد لقاء مفتوحا مع المحررين ومقابلة خاصة مع الأناضول.

وخلال اللقاء تحدث شفيق باسهاب عن ثورات الربيع العربي وعن عدم استقرار الأمور في دول تلك الثورات، موضحا ان هذه الثورات أصبحت ممكنة بعد انهيار النظام العالمي الذي بني على نتائج الحربين العالميتين الأولى والثانية، معتبرا في الوقت نفسه أن استخدام توصيف “الربيع العربي’ على هذه الثورات “مضلل’.

وأوضح قائلا ان ما حدث في البلدان العربية ليس له علاقة بـالربيع، “فالثورة هي شئ يشبه العاصفة و الزلزال، وعادة ما يعقب الثورات تواتر سلسلة من الصراعات والحروب الأهلية وهذا حدث بالثورتين الفرنسية والروسية، وبالتالي فإن البلدان العربية خصوصا بتونس ومصر لعبت دورا أساسيا في الإطاحة بنظام عربي كان سائدا منذ الحربين العالميتين لتنشأ نتيجة هذه الوضعية صراعات شديدة بين هذه الثورة والثورة المضادة، وهذه المعادلة أوجدت تغييرا عميقا في الوضع الإقليمي و فراغا في السلطة مما أدخل البلاد العربية في نوع من الصراعات’.

وعن البعد المستقبلي لهذه الثورات، يقول شفيق: “في الحقيقة لا تنتهي الثورة بل تُقيَّم بما يحدث بعدها، وتقييمها يتجسد في ما ستسقطه من ممارسات سابقة، بعد ذلك لكل ثورة في العالم مآلاتها، الثورة الفرنسية شهدت تغيرات كثيرة، ولم تتكرس الديمقراطية إلا سنة 1907 تقريبا (أي بعد أكثر من قرن على قيامها)، والثورة الروسية استغرقت سبع سنوات من الحرب الاهلية الخطيرة. وشهدت البلاد مجاعات كبيرة’.

“كل بلد في العالم إذن – يخلص المفكر العربي البارز – له نمط معين بعد الثورة، الان المشكل ان العالم العربي له نمط مختلف لا يمكن قياسه على ما سبق،. كما أن كل دولة عربية لها خصوصياتها، إلا أنه في ضوء ان هناك دوما محاولات لزعزعة هذه الثورات فقد تبين أنها جميعا تقع على رمال متحركة، وفي حالات جاءت قوى أخرى لتتسلم الأمر، مثلا في مصر استلم الجيش الحكم على أرض رجراجة’.

ومن المثال المصري، ينتقل شفيق إلى الحالة العراقية ليوضح رؤيته: “خذ مثلا في العراق تم تغيير النظام بعد الاحتلال الأمريكي (2003) وقامت حكومة تزعمها نوري المالكي تبين في ما بعد أنها محاطة بالقلاقل والعراقيل فانهارت، والآن برزت ظاهرة تسمى “داعش’ تجعل أمريكا تتدخل من جديد لاستئصال هذا التنظيم السرطاني وتتحالف مع خمسين دولة، وهذا لا يعقل لأنه في السابق كانت واشنطن ترسل فريقا تنهي هذا الافيون، اليوم تستدعي دولا لتقف جنبها’.

“وهذا يدل على أن الوضع مفكك وكثير التعقيد أمام تفاقم قوة هذا التنظيم وتقدمها وأنا في الحقيقة لا أرى لما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية مستقبلا في المنطقة لأنها تدور فوق رمال متحركة أصلا كما اوضحنا، وليس صحيحا ما يقوله باراك أوباما (الرئيس الأمريكي) أن القضاء عليها سيستغرق سنوات طويلة’، يؤكد شفيق.

أما في اليمن حيث ظاهرة الحوثيين، فيوضح شفيق أن سيطرتها على الوضع لم تكن أيضا هينة’ وبالتالي كل ذلك يعني أن “تحليل الظواهر الجديدة في العالم العربي يجب أن ينسينا المعادلة في السابق في أيام الحرب الباردة وأيام الاستعمار وأيام تواجد العسكريين لأننا الآن في مرحلة لا يمكن أن نتصورفيها الاتجاهات الممكنة وبالتالي التنبؤ بمسار الثورات العربية’.

وكدليل على صعوبة التنبؤ بمسار التطورات العربية، يستشهد شفيق بما فعلته واشنطن حيث ذكرت الصحافة الأمريكية منذ نحو العام أن اوباما سينسحب من منطقة الشرق الأوسط ويتخلى عنها وبدأ يركز على محاصرة الصين الشعبية في ظل وفاق امريكي روسي خاصة بعد مؤتمر جنيف2 من اجل سوريا العام الماضي، ولكن جاءت الأوضاع الحالية وظهور داعش فعادت الولايات المتحدة للمنطقة، فقلبت المعادلة كما عادت معادلة كسر العظام بين القطبين الأمريكي والروسي ورجعت الأوضاع بينهما إلى التأزم، وهو ما سينعكس أيضا على منطقتنا.

وبالعودة إلى تونس، كحالة عربية أخرة يشخصها المفكر العربي منير شفيق، فيقول: “تونس كانت تعمل في ظل وضع اقليمي معين في السنتين الأخيرتين إلى أن وقع تغيير في الليبي عبر سيطرة اللواء خليفة حفتر ووصوله إلى بنغازي، فهذه المسألة ستقلب الوضع في تونس، التي عليها أن تتعامل مع واقع جديد لم تتحدد معالمه بعد وإلى أين سيسير، إدن كل الأحزاب التونسية، سواء نداء تونس أو النهضة أو غيرها، بحاجة إلى تبين معالم الوضع إلى أين سيتجه، فكل شيء آيل إلى التغيير والانقلابات’.

وحول ما إذا كانت القوى التي تدخلت في كتابة الدستور التونسي محلية أم دولية رد منير شفيق “بلى الداخلي والإقليمي وداخل المكونات الاجتماعية يعني دور الكنيسة والإخوان والجيش والقوميين والسلفيين تعاظم وقع في مصر وضع جديد وصار أمام فراغ ومستقبل وفرص فصار الكل يقول أين دوري ومن سيقرر مصير مصر؟ ومن هنا بدأ صراع العمالقة. وبدأ ميزان ثورة جديد يتكون واستوعبت الناس الدرس وباتت القوى الدولية تتدخل ولا تترك الأمور تسير اعتباطيا واذكر مثال روسيا والصين في مواقفها من سوريا وليبيا هناك اختلاف.. وحتى المنتصرين في الانتخابات باتوا في حيرة ماذا سنفعل وكيف بتنا بهذه القوة وأمامهم حرب جديدة مثلا الحركات اليسارية والإسلاميين كلهم رؤوا أن لديهم قوة؟ لم يكن لديهم قبل الثورة أي مكانة؟ الإعلام أيضا ؟ هذا الوضع الجديد هو الذي يتطلب إعادة فهم .

وفي خصوص أي اتجاه للثورة التونسية في ضوء النتائج الأخيرة للانتخابات التي فاز بها نداء تونس على حساب حركة النهضة ذات التوجه الإسلامي، قال منير شفيق “أنا في اعتقادي أن تونس تبقى، رغم التحولات التي حصلت، في مرحلة عابرة لن تكرس مستقبل تونس ومازال الأمر لم يحسم بعد .. ولكن على أي أساس ستستقر الاوضاع، لا احد يعلم؟ لذلك التونسيون في حيرة وحتى المنتصر (في التشريعيات) أمامه معركة انتخابية (رئاسية)  ونداء تونس ليس مطمئنا لنتائجها .. الوضع في تونس ليس فقط محليا بل لدول الجوار والمنطقة دور كبير فيه، وهناك قوى عديدة على الخط، وأنا أقلل في هذا السياق من أهمية أوروبا’.

وحول ما إذا كان يقصد بذلك دورا للإمارات والسعودية المناهضتين لتيار الإخوان المسلمين، في ضوء استبعاده لدور اوروبي في تونس، قال منير شفيق: “نعم، لقد بدؤوا بتشكيل تحالفات جديدة، بعد صعود النهضة في تونس والاخوان في مصر والعدالة والتنمية في المغرب، وبدؤوا بالتساؤل: هل نتحالف معهم؟ أم نغيّرهم؟، بقوا في ارتباك إلى أن جاء دور الجيش في مصر ليحسم الامر (في اتجاه التدخل).. أنظر كيف تم التدخل من قبل الجميع في كتابة الدستور في تونس فكل قوة كانت تبحث عن مكانها ومستقبلها فيه’.

في إطار الارتباك نفسه في المواقف الاقليمية، يشير شفيق إلى التغيرات الحاصلة في المواقف الايرانية التقليدية و’الارتباك’ الذي حصل حيث لم يعد الإيرانيون يتنفسون الصعداء أمام تلاحق التطورات إلا أنهم يسعون في الوقت نفسه للاستفادة منها.  كما يشير المفكر العربي إلى “اللاعب المحوري في المنطقة حاليا، وهي قطر ودورها عبر قناتها الجزيرة، فنرى أنه منذ منتصف عام 2012 انتهى هذا الدور عمليا، ونفس الشيء بالنسبة للسعودية والإمارات اللذين شرعا في إعادة ترتيب أوراقهم في المنطقة’.

ويضف منير شفيق  “أنا برأيي الجميع واقف على رمال متحركة في الحقيقة وأن الأجواء في حالة تسونامي وعواصف وعمليا قد يقع حدث غير متوقع يغير كل التحالفات والأولويات كما غيّر داعش استراتيجية امريكا وإيران وكل القوى المختلفة ..

وحول احتمالات عودة الماضي، أي أوضاع ما قبل الثورات العربين، يجزم منير شفيق: “مستحيل.. الماضي لن يتكرر.. لأن هذا الماضي هو معادلة موازين قوى انتهت وتغيرت، فالقوى السابقة كانت مبنية على نتائج الحرب العالمية الأولى والثانية وهذه انتهت عالميا واقليميا ولا يمكن اعادة بنائها’.

ويتابع: “خرجت هذه الثورات أصلا بسبب انهيار السيطرة العالمية ولولا انحسار دور امريكا وانهزام هذه القوة في العشر سنوات ما بين 2001 و2010 ولو لم يكن الكيان الصهيوني انهزم أمام المقاومة اللبنانية في 2006 وخذل في 2008 لما كانت قامت هذه الثورات أصلا .. فهي منتج لمعادلة جديدة وهذا تفسيري أن تغير الموازين الخارجية وشيخوخة الأنظمة هي سبب الثورات والسبب الأبرز يبقى سقوط مشروع جورج دبليو بوش (الرئيس الأمريكي السابق) الخاص بالشرق الأوسط الكبير، فقد أسقط أيضا الانظمة الاعتدال العربي التي كانت تراهن على واشنطن، أما الضربة القاتلة التي غيرت بقوة الأوضاع فجاءت من مصر (حين سقط نظام مبارك)’.

ويختتم شفيق بخلاصة لرؤيته المعمقة للوضع الاقليمي مفادها: “الجميع واقف على رمال متحركة، والأجواء في حالة تسونامي وعواصف، وعمليا قد يقع حدث غير متوقع يغير كل التحالفات والأولويات في المنطقة مثلما غيرت داعش استراتيجية امريكا وإيران وكل القوى المختلفة’..

 

Comments are closed.