موسم الهجرة إلى الجنوب

المشرف
المشرف

رزاقي

قبل الاعتداء على قاعدة الحياة بتڤنتورين لم يكم للجنوب الجزائري حضور دولي بالرغم من أن الشركات الدولية المتعددة الجنسيات هي التي تهيمن على المنطقة، ولم يكن له صوت مسموع بالرغم من احتفال الجزائر بمرور 50 عاما على استرجاع السيادة.

والجنوب في نظر المتعاملين العرب مع السلطة الحالية مجرد واحات سياحية لصيد الحبّار والغزلان، وفي نظر المتعاملين الأجانب مجرد محطات أنابيب غاز لأوروبا وآبار بترول للشركات الغربية والأمريكية، فمالذي ستغيّره أصوات المحتجين الجنوبيين؟.

.

حماية المصالح الأجنبية أولاً

أكثر من 90 % من خيرات الجزائر تأتي من الجنوب لكن سكانها أفقر سكان الولايات الأخرى ولا يستفيدون حتى من الغاز الطبيعي وأبناؤها غير مرغوب فيهم في الشركات البترولية، وحين ارتفعت أصوات البطالين منهم اتهموا بأنهم “شرذمة’ كما ورد على لسان رئيس الحكومة عبد المالك سلال في لقطة مصورة ونفاها زاعمًا أنه لا يعرف معناها، ومن لا يعرف لغة شعبه كيف يمكن أن يخدمه؟.

لقد استغل المسلّحون الذين قتل قائدهم في عملية الاعتداء على عين أمناس الوضع المزري لسكان المنطقة لضرب الوحدة الوطنية مثلما استغلت الحكومات المتعاقبة صمتهم فتمادت في تهميشهم مما جعل مهربي المخدرات والأسلحة يستفيدون من هذا الوضع القائم ولولا أن الحرب الفرنسية على مالي أيقظت شعورهم بالعزلة ومخاوفهم من الاحتلال أو التقسيم لتحوّلوا إلى مجتمع آخر.

وقد كشف استفتاء أجرته إحدى الصحف الجزائرية في شكل سؤال: “برأيك ما الأهداف الحقيقية للتدخل العسكري الأجنبي في مالي؟’ عن الإجابات التالية:

-1نسبة 37.20 % أنه مخطط يستهدف الجزائر .

2-نسبة 36.85 % أنه مخطط للسيطرة على ثروات المنطقة.

3-نسبة 20.94 % مخطط لإقامة قواعد عسكرية غربية.

وهو ما يفنّد الدعاء الفرنسي بأنه يستهدف القضاء على القاعدة ويبين استفتاء آخر أن هناك ضغوطا مورست على الجزائر وأن نسبة المقتنعين به حسب (جريدة الخبر) صاحبة الاستفتاء هو 75.09 %، مما يعني أن الجنوب صار موقع اهتمام دولي جديد في الوقت الذي تتعامل معه الحكومة الحالية بنوع من الاستخفاف المجسد في “البزنسة السياسية والاجتماعية والاقتصادية’.

يبدو لي أن الجنوب الجزائري سيكون “ورقة التوت’ التي ستكشف فشل الحكومة وبرلمانها وأحزابها لأن المواطنين يريدون حلولا عاجلة وملموسة وهو أمر من الصعب تحقيقه في ظل تساؤلات غربية حول أمن المنطقة الذي سيكون محور نقاش في برنامج تلفزيوني ياباني يبث مباشرة يوم 23 من الشهر الجاري يشارك فيه أربع خبراء من أربع دول، ويكون في شكل مناظرة مما يجعلنا نتساءل عن غياب الإعلام الرسمي عن مناقشة قضايا الجنوب؟.

أعتقد أن الغضب الشعبي سيزداد حدة مع شهر رمضان الذي يأتي في وهج الصيف حيث تتقلص فيه الكهرباء والماء والغاز وتشتعل أسعار المواد الاستهلاكية، وما دام الفساد هو السلطة الحقيقية في الجزائر، وحسب استفتاء سابق يعتقد 79.91 % أن محاربة الحكومة للفساد بعد فضائح سوناطراك ستكون أقل جدية، وهو ما يجعلنا نتساءل: هل يمكن إحداث تغيير في الجزائر انطلاقا من الجنوب؟

إن التغيير في الجزائر حسب استفتاء أجرته جريدة الشروق اليومي مرهون بتعديل بثلاثة عناصر، فهناك 42.07 % يربطونه بـ’التعديل الجذري للدستور’ و 33.91 % بحل البرلمان، و23.39 % بانتخاب مجلس تأسيسي.

والحقيقة التي لا تقال هي أن الجنوب في حاجة إلى أكثر من مطالبهم المرفوعة إلى الحكومة والتي لا تختلف عن مطالب “العرو’ أثناء أزمة تيزي وزو، ولا أعتقد أن مشكل البطالة يحلّ بـ’التجنيد’ في المؤسسات العسكرية والأمنية التي يريدون تحويلها إلى مؤسسة امتصاص الغضب وليس مؤسسة دستورية وظيفتها حماية الدولة والعباد.

.

المطلوب دسترة الجنوب

ربما لا يشاطرني الكثير في هذا المطلب ولكنني مقتنع بأن ضعف الجنوب مرتبط بقلة كثافته السكانية مما أعطى قوة انتخابية في البرلمان للولايات الأكثر كثافة، ولهذا فالمطلوب إعادة النظر في البرلمان بغرفتيه بحيث توزع المقاعد على 48 ولاية بالتساوي لتكون ولاية الإليزي أو أدرار أو تمنراست أو ورڤلة أو تندوف وغير من ولايات الجنوب متساوية في المقاعد مع العاصمة أو وهران أو قسنطينة أو عنابة أو تلمسان وغيرها من ولايات الشمال، وهذا الأمر قد يشجع المواطنين على الانتقال إلى الجنوب ويدفع برجال الأعمال إلى الاستثمار في المنطقة، وإذا ربطنا هذه الفكرة بالتوزيع العادل للدخل الوطني على الولايات بالتساوي فإن الجنوب سيتحوّل إلى مركز استقطاب لمن يريد العمل والربح.

إن تجمع ورڤلة يوم 14 مارس 2013م بساحة 27 فيفري 1962م التي تمثل انتفاضة سكانها ضد التقسيم يحمل في طياته أكثر من معنى فهو قد يغيّر من منطق السلطة باعتبار الجنوب منطقة نفي يرسل إليها الموظفون المعاقبون، وهو من جهة أخرى دليل مادي على فشل من تعتقد السلطة أنهم يمثلون الجنوب في البرلمان.

المفارقة أن رئيس الحكومة جمع وزراءه ورحل إلى الجنوب ليقدم وعودا كان من سبقوه قد قدموها ولم يفوا بها، فهل هو موسم هجرة سياحية وسياسية إلى الجنوب أم انه محاولة لتقليص حدة الحراك الاجتماعي الذي قد يتحول إلى حراك سياسي يصعب احتواؤه؟.

إن عدد الجزائريين المهاجرين إلى كندا يزداد سنويا، وبإمكان الجزائر أن تحول الجنوب الى كندا أخرى لو استغلت بها الأموال المقدمة الى الخارج والى الصندوق النقد الدولي الذي يعيد قرضها لدول أخرى لتحقق بها مشاريع لشعوبها، في الوقت الذي يحرم الجنوب من هذه الأموال.

المصدر: الشروق الجزائرية

Comments are closed.