هل تندلع حرباً مسلحة بسبب مياه نهر النيل ؟

المشرف
المشرف
هل تندلع حرباً مسلحة بسبب مياه نهر النيل ؟

يقول روبرت كابلان “في القرن الحادي والعشرين قد يظهر الماء كسلعة أغلى من النفط ورغم أن الزيادة السكانية المرتفعة هي أبطأ نسبياً من القرن الماضي, الا ان الماء هو احد الموارد الاكثر قيمة وحسماً ويصبح ذلك بصفة خاصة اذا اثرت تغيرات المناخ على كثير من المناطق وتنذر بحدوث الجفاف هنا وهناك. قد لا تحدث الحروب بسبب المياه, لكن المياه مع ذلك ستبرز كعامل شديد الاهمية في مجال الجغرافيا السياسية, ومن الامثلة الواضحة على ذلك تزايد التوتر في السنوات القليلة الماضية بين مصر واثيوبيا بشأن استخدام نهر النيل ’ و يضيف “انهما بلدان فقيران مكتظان بالسكان, فإثيوبيا يبلغ عدد سكانها 92 مليون نسمة, ومصر 81 مليون نسمة, ومصر هي دولة مصب لنهر النيل, تعتمد على تدفق مياه النيل الابيض من اوغندا او جنوب السودان, وتدفق مياه النيل الازرق من اثويبيا والسودان, ويلتقي النيل الابيض والازرق خارج العاصمة السودانية الخرطوم, ولكن هناك خللاً كبيراً, فنحو 85 في المئة من مياه النيل المتدفقة الى مصر تأتي من النيل الازرق الذي يتحرك بشكل أسرع في اثيوبيا التي تقوم حالياً بمساعدة الصين ببناء مشروع ضخم لتوليد الطاقة الكهرومائية على حدودها الشمالية الغربية بالقرب من السودان وهو مشروع سد النهضة العظيم’ و

يشرح كابلن الأسباب الفنية للموضوع:

“مصر في مختلف الطرق’ أو عنق الزجاجة

يفيد الكاتب “أن اثيوبيا تأمل انهاء المشروع في الجزء الاخير من هذا العقد, وعند الانتهاء من اقامة سد النهضة العظيم سيكون لديه القدرة على تخزين مياه خلال سنة واحدة تعادل مياه نهر النيل, وهذا هو مقدار المياه التي تتدفق في سنة معينة قرب النقطة التي يقام عندها السد هذا يمكن ان يقلل وبشكل كبير من كمية مياه النيل المتدفقة شمالاً وهي كمية تحتاج اليها مصر بصورة ماسة للشرب والري الوضع معقد, وان كان السد الجديد سيكون قادراً على توليد الكهرباء لاثيوبيا من خلال تحويل المياه, فإنه يسمح في نهاية المطاف بتدفق المياه شمالاً الى مصر, وهذا لن يضر مصر كثيراً, ولكن اذا قررت اثيوبيا في اي وقت, عرقلة تدفق مياه نهر النيل لكي تستخدم تلك المياه في الزراعة والشرب, فان ذلك سيضر مصر حقاً كانت هناك سياسات كثيفة للمياه بين هاتين الدولتين الفقيرتين واليائستين والحل ممكن من الناحية الفنية اذا تم تنسيق عمليات سد النهضة مع السد العالي في اسوان بمصر والذي يمكنه ايضاً تخزين .كمية مماثلة من المياه

تم اتفاق اخير بين مصر واثيوبيا يسمح باشراك شركة استشارية مستقلة لوضع توصيات ملزمة حول استخدام المياه بين البلدين, ويبدو ذلك لفتة تصالحية من الجانب الاثيوبي الذي يقوم .ببناء السد الجديد, لكن لا تزال التوترات والتهديدات المبطنة تنطلق هنا وهناك صعوبة الخيار العسكري

مصر دولة اقوى من اثيوبيا عسكرياً, لكن الخيار العسكري المصري ضد سد النهضة العظيم يمثل اشكالية, فيمكن لمصر ان تقصف هذا السد قبل اكتمال بنائه لمنع كارثة بيئية وبشرية لكل من اثيوبيا والسودان, كما ان قصف هذا السد يتطلب من مصر التعاون مع السودان لاستخدام قواعده الجوية للتزود بالوقود, وبالنظر الى ان مصر يحكمها نظام عسكري علماني من حيث التوجه, اما السودان فيتجه من جانب واحد او اكثر للتماشي مع اراء جماعة الاخوان المسلمين, فمثل هذا المستوى من التعاون من غير المحتمل حدوثه, والمشكلة الاخرى ان كلا النظامين السياسيين في مصر والسودان يركزان في الوقت الحاضر على المشكلات الداخلية الساحقة, فالرئيس المصري عبدالفتاح السيسي مشغول بتحسين الاقتصاد المصري, حتى يحافظ على وجوده في السلطة, فضلاً عن التصدي للحرائق التي تسببها المقاومة الاسلامية لحكمه’.

اما الرئيس السوداني عمر البشير يقول كابلن “فهو مشغول بترتيب انتقال السلطة بعد ربع قرن من بقائه فيها والتعامل مع الدولة الجديدة المعادية له في جنوب السودان’ و يشير في المقال … “تاريخياً كان السودان جزءاً من مجال النفوذ المصري, لكن ذلك لم يعد ملموساً في هذه الحقبة, ومن ثم لا ترغب كلتا الدولتين في ايجاد ازمة حول المياه في هذه

تزايد قوة إثيوبيا

الى حد ما تعتبر اثيوبيا في موقف اقوى من مصر, فحتى لو ان كلتا الدولتين توصلتا الى اتفاق دائم حول استخدام مياه نهر النيل, فان الوجود الفعلي لسد النهضة يوفر لاثيوبيا نفوذا اكبر لم يكن لديها من قبل, لانه اذا انهار هذا الاتفاق في اي وقت, سيتيح لاثيوبيا القدرة على تحويل او منع كميات هائلة من مياه النيل الازرق في نهاية المطاف, وتظل اثيوبيا دولة المنبع, ومصر دولة المصب, وهكذا يصبح سد النهضة لاثيوبيا مثل سد “غازبروم” لروسيا اداة للانتقام من دول او دولة لا تنصاع لرغباتها, ومرة اخرى يمكن ان تضيف التغيرات المناخية للموقف ابعاداً دراماتيكية اكثر مأساوية علاوة على ذلك فإن اثيوبيا تبرز ببطء كدولة قوية وقوة اقليمية بشكل ما, فالطرق والسكك الحديدية التي اقامتها للربط بينها وبين جيبوتي تعطيها مكانة مميزة كميناء له نفوذه على البحر الاحمر والمحيط الهندي, بالاضافة الى ذلك فإن التكوين العرقي والقبلي المتنوع في اثيوبيا يحتاج الى شكل من اشكال الحكم الامبراطوري القوي من جانب العاصمة اديس ابابا كعاصمة مركزية تمثل الاستقرار, اما مصر فانها تتعرض لهجمات من المتشددين الاسلاميين في قلب وادي النيل, وكذلك عند قطاع غزة, وشبه جزيرة سيناء, وفكرة ان مصر تفقد السيطرة على سيناء .والتي كانت مستحيلة منذ عقود مضت, لم تعد مستحيلة

التقاسم بالتراضي

في كلمة موجزة يمكننا القول ان شمال شرق افريقيا بالرغم من الاخبار يقدم لنا صورة مصغرة لعالم اليوم, فالعوامل البيئية تفاقمت والمشكلات السياسية تعقدت ولم تعد الولايات المتحدة او روسيا لهما نفس المستوى من القوة في المنطقة, كما كان لاميركا والاتحاد السوفييتي اثناء فترة الحرب الباردة, والصين .التي تقوم ببناء سد النهضة اصبحت لاعباً جديداً في هذه الدراما, والنتيجة هي مزيد من التوتر, وتصاعد

احتمالات حرب بين الدول حول المياه

في الماضي كانت الولايات المتحدة كحليف تاريخي لكل من مصر واثيوبيا, قادرة على تسوية المسألة من خلال ديبلوماسية الخبراء التي تجريها وزارة الخارجية في واشنطن ولا تزال الفرصة قائمة لحدوث ذلك اذا احتدم التوتر حول مشروع السد, ورغم الموعد الاخير لمجموعة الخبراء المكونة من طرف ثالث فإن على مصر واثيوبيا الاعتماد على نفسيهما, فمصر مضطرة الى تحسين كفاءة وفاعلية استخدام المياه المتوافرة لها, وعلى اثويبيا ان تجري حساباتها الدقيقة على المدى البعيد والى اي حد يمكنها ان تدفع مصر حول هذه القضية. وعلى اي حال فإن وادي النيل يوفر لنا مختبراً دقيق النتائج لتأثير البيئة الطبيعية على الجغرافيا السياسية وعلى العلاقات الدولية, ونهر النيل يجب ان يتم تقاسمه بين جميع الاطراف, والا ستكون النتائج كارثية’.

Comments are closed.