يوم لـ”العربية” وأزمنة لـ”ضرائرها”

netpear
netpear

بومدين بوزيد

تحتفل اللغة العربية بيومها البائس في بداية شهر الربيع مارس، ولها حظّ في يوم واحد من سنة أيامها ملك للأخريات ’الضرائر’، لهنّ الهيمنة في بلداننا العربية، بفعل التاريخ والمعرفة وسُلطة القوّة الثالثة، التي خرجت من رحم النظام الكولونيالي. ولم يتعبها هؤلاء فقط، بل كان الضّرر من أهلها الناطقين بها، حين تكلّس بعضهم في الجملة التقليدية، واكتفى بالافتخار بها وقدّسها قائلاً ’إنها لغة أهل الجنة’، فقال له ’حماة الضرائر’ انتظر ترسيمها وتعميمها في الآخرة. إن الدفاع عن اللغة وقداستها في الاجتهاد فيها وبها، فقد نشر تقرير ’المعرفة العربي’، منذ سنتين، أرقاما عن وضع العربية مخيف، ما يؤكد حالة التراجع عن استعمالها التربوي والتعليمي والبحثي في بلداننا. كما إن حضورها في المواقع الإلكترونية، هو بنسبة واحد بالمائة إذا ما قيس بمواقع العبرية والتركية والبرتغالية، والنسبة نفسها في الترجمة إليها من لغات أخرى. كما سجلت التقارير المسخ الذي لحقها من استعمال الدارجة في القنوات الإعلامية، ويعتقد أصحاب استعمال العامية أن ذلك يسهل عملية التواصل، في حين أن ذلك يشكل تهديداً لطريقة التفكير وللغة العربية، وهو مزيد من التمزق اللغوي والاجتماعي، يصاحب حالة التمزّق على مستوى القيم المنظمة للعلاقات الاجتماعية والحامية لـ’الجماعة الوطنية’، فالداعون إلى مذهبيات خارج تاريخهم ومجتمعاتهم ومرجعيتهم يشكلون عاملا من عوامل لا استقرار لبلدانهم. ولذلك نحن في حاجة إلى ’أمن ثقافي ولغوي’، فتبني اللغة العربية واستعمالها ليس من منطلق قومي أو ديني أو عرقي، لكنّه حاجة أمنية اليوم، من أجل ’أمن شامل’ يتعلق كذلك بالصحة والبيئة والسلم والوسطية والتسامح، وهي مجالات أمنية مهدّدة بمخاطر لا تواجه إلا بتعميم المعرفة في وسط المواطنين، ولا يكون ذلك إلا باللغة الأم المشتركة. وهو ما يجعلنا نحرص كذلك على تطوير الأمازيغية، لكن ليس برؤية الذين يصرّون على كتابتها من يسارهم بالأحرف اللاتينية، ولا يدركون ما أسميه ’المصاهرة التاريخية’ بين العرب والأمازيغ. وهذه المجاورة اللغوية التاريخية لها أثـرها اللساني، ووجود مخطوطات بالأمازيغية بالأحرف العربية دليل ذلك. أما إذا كان قصدهم ’كلمة حقّ يراد بها باطل’، فهم في خدمة لغة وثقافة لا صلة لمجتمعاتهم بها، وما سمي ’غنيمة حرب’ هي سلطة لغوية وإدارية يستفيدون منها ’غنائم أخرى’، لكن الضائع هم ملايين الشباب، الذين ضيّعوا لغتهم ولغة ’الطغمة’ التي تتميز بـ’هيمنة إدارية نخبوية’، من طبيعتها المحافظة على مكتسباتها التاريخية والمصلحية، كما تُوسّع من الهوّة الاجتماعية والتراتبية فئات بيدها السلطة، وأخرى حظّها مع العربية ممارسة التدريس وإمامة المساجد وبعض قطاع الإعلام.
إن استخدامنا لمفهوم ’الأمن اللغوي’ ليس بمضمون قديم انكفائي يخاف من التجديد واللغات الأخرى، لكنه يرى في تطورات التقنية ـ الرقمية الجديدة وسيلة للأمن، وفي الوقت نفسه للاأمن إذا لم نطّور لغتنا ونعتبرها حصناً وثغراً لهويتنا أمام ’الهيمنة الجديدة’، التي يسعى إليها الأقوياء بفرض ’نمطية واحدة في التفكير والسّلوك’، من هنا يصبح ’الأمن اللغوي والثقافي مرتبطاً بالأمن الاجتماعي والسياسي’، إنها ’الثغور الجديدة’ التي تحتاج إلى ’مرابطين’، ووسيلة دفاعهم الوحيدة ’المعرفة والاجتهاد’.
إنّ التجديد الثقافي لا يمكن أن يتم إلا من داخلها ـ أي العربية ـ بإعادة بنائها وممارسة الحداثة في معطياتها وتاريخها، والتماس وجوه من الفهم والتأويل لمسارها، تسمح بربط الحاضر بالماضي في اتجاه المستقبل، واعتماد الإمكانات اللامحدودة التي توفّرها العولمة نفسها، وفي مقدمتها العلم والتكنولوجيا.
وإذا ما تتبّعنا آثار العولمة في البلدان العربية، في السنتين الأخيرتين، فقد بدت آثارها في المواجهة الدموية الجديدة بين المنتفضِين والسّلَط في البلدان العربية، أي أن التأثير المباشر كان على المستوى السياسي، ومسّ هذه البنية لبقائها رهينة التسلّط التقليدي، وحتى الحصون التي بنتها، من الشرعية التاريخية وعنصر التخويف من الغرب وحماية الهوية، كانت بيتاً من نسيج العنكبوت، وتلازم ذلك مع التضحية بالاستقرار الاجتماعي وانسجامه.
المصدر: جريدة الخبر الجزائرية

 

Comments are closed.